|

فضل العلم ومنزلة العلماء

فضل العلم ومنزلة العلماء

الحمد لله رب العالمين، الذي شرف أهل العلم ورفع منزلتهم على سائر الخلق، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين، الذي لم يُورِّث دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرَّث العلم، فمن أخذه فقد أخذ حظًّا وافرًا، ومن حُرِمه فهو المحروم، أما بعد:

أيها الأخوة، إن مِن سنن الله – عز وجل – في خلقه أن أرسل إليهم رسلًا، يهدون الناس إلى عبادة الله – عز وجل – ويبصرون الخلق بشرعه وحقوقه. وكان من سُنة الله – عز وجل – في الأمم السابقة أن الناس إذا دب إليهم الانحراف والضلال، وبدءوا يحيدون عن صراط الله المستقيم، أرسل إليهم رسولاً، يذود الناس إلى صراطه سبحانه وتعالى.

ثم ختمت النبوة برسالة نبينا – عليه أفضل الصلاة والسلام – لكن رحمة الله – عز وجل – بهذه الأمة أن هيَّأ لها علماءَ ربانيين، أخذوا بميراث نبيها – عليه الصلاة والسلام – وتلقاه الخلف عن السلف، ولا يزال لهم في هذه الأمة أثر وباقية، إلى أن يرث الأرض ومن عليها.

ومن رحمة الله – عز وجل – بهذه الأمة أن علماءها خيارُها، بخلاف الأمم السابقة، كما ذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – رحمه الله – حيث قال: “كل أمة قبل مبعث محمد – صلى الله عليه وسلم – علماؤُها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءَها خيارُها” (1).

ولعلي أذكر شيئًا مما ورد في شرف العلم ومنزلة العلماء، ومن هذه النصوص يمكن أن نقف على هذه المنزلة العظيمة لهذه الفئة المباركة.

أدلة فضل العلم والعلماء من القرآن:

فمن ذلك قول الله – عز وجل – في أعظم شهادة في القرآن: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُو العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية 18]. ذكر الإمام ابن القيم أن في هذه الآية عشرة أوجه تدل على شرف العلم وفضل العلماء. ومنها:

1 – أن الله – عز وجل – استشهدهم من بين سائر الخلق.

2 – وضمَّ شهادتهم إلى شهادته تعالى.

3 – وضم شهادتهم إلى شهادة ملائكته.

4 – وكونه تعالى استشهدهم فمعناه أنه عدَّلهم؛ لأنه لا يمكن أن يستشهد بقولهم إلا وأنهم عدول. وفي هذا جاء الأثر: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله”.

5 – أنهم جعلهم هم والأنبياء في وصف واحد، فلم يفرد الأنبياء عن العلماء، فأشهد نفسه، ثم أشهد ملائكته ثم أشهد أولي العلم، الذين على رأسهم الأنبياء، ومن ضمنهم العلماء.

6 – أنه أشهدهم على أعظم مشهود به، وهذه أجلُّ وأعظم شهادة في القرآن؛ لأن المشهود به هو: شهادة: إن لا إله إلا الله. التي لا يعدلها شيء. (2)

ومن الآيات الدالة على فضل العلم وشرف العلماء قول الله – عز وجل -: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية 114]. أمر نبيه – عليه الصلاة والسلام – أن يسأله أن يزداد من العلم، وما ذاك إلا لشرفه ومكانته.

وأيضًا قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية 9]. وهذا أيضًا يدل على غاية فضلهم وشرفهم، كما أنه لم يساو بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، فكذلك لم يساو بين مَن يعلم ومن لا يعلم.

ويقول – جل وعز -: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ [سورة الرعد: الآية 19] ولهذا وصف سائر الخلق بالعمى إلا من أوتي العلم.

ويقول سبحانه: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [سورة سبأ: الآية 6].

ويقول جل وعز: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية 43]. ولهذا قال بعض السلف: “إذا استعصى عليَّ فَهم مَثَلٍ في القرآن حزنت لذلك؛ لأن الله – عز وجل – يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية 43].

ويقول سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: الآية 11]. رفع الله درجاتهم في الدنيا والآخرة، في الدنيا رفع ذكرهم عند الخلق، ورفع مكانتهم ومنزلتهم. وأما في الآخرة فلهم الدرجات العلى، وأي شرف وأي منزلة أعظم من ذلك.

ولهذا لاحظوا – يرعاكم الله – كم مرَّ عبر التاريخ من الملوك والأمراء والعظماء والتجار والمخترعون انتهوا بمماتهم، فانتهى ذكرهم، فقد يأتي ذكرهم عابرًا في صفحات التاريخ، ولكن هؤلاء أهل العلم، ذِكرهم يتجدد مع الزمان، لا يُذكَرون إلا ويُترحَّم عليهم، أجسادهم مفقودة، لكن آثارهم باقية بين أيدينا.

قبل مئات السنين جاء الإمام أحمد، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والإمام البخاري، والإمام مسلم، أعلام ما زال ذكرهم عاليًا بين الخلق، منهم من مات في مقتبل عمره مثل الإمام النووي – رحمه الله – فقد مات في العِقد الرابع من عمره، ومع ذلك ما زال ذِكره يطبق مشارق الأرض ومغاربها. هذه مؤلفاته بين أيدينا تقرأ صباحَ مساءَ، وكلما ذُكر ترحم عليه، فأي شرف وأي منزلة هذه، هذا ذكرهم في الدنيا، وقد أعد الله – عز وجل – لهم من الأجر في الآخرة أضعافَ أضعافَ ذلك.

ومما ورد في فضلهم ومنزلتهم قول الله – عز وجل -: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر: الآية 28]. و﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. الذين يخشون الله حق خشيته هم أهل العلم؛ والسبب في ذلك أنهم أعلم الخلق بالله – عز وجل – وكلما ازداد الإنسان معرفةً بربه وخالقه ومعبوده ازدادت خشيته. ولهذا هم أعلم الناس بما يجب لله، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، ولهذا صاروا أكثر الناس خشية، بل الله – عز وجل – جعل الخشية محصورة فيهم.

ويقول سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية 49]. هذا القرآن آيات بينات، لكن عند مَن؟ عند أهل العلم. ولهذا عرفوا كلام الله، فقدروه حق قدره، بخلاف غيرهم، فقد يَقرأ القرآن كاملاً، وقد يسمع القرآن كاملاً، ولا يؤثر هذا فيه؛ لأنه ليس من أولو العلم.

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية 122]. الله – عز وجل – ذكر أنه ما كان لأهل الإيمان أن ينفروا جميعًا إلى الجهاد، بل لتبقَ طائفة تتفقه في هذا الدين؛ لتتعلَّم وتعلم الناس الخير. ولهذا ذكر الأمام أحمد – رحمه الله – أن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله.

ويقول سبحانه: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [سورة الأنعام: الآية 122]. فأهل العلم هم حياة القلوب، وما معهم من العلم هو النور الذي يهتدون به في ظلمات البر والبحر.

ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: الآية 83]. وقد قال المفسرون: إن أولي الأمر هنا هم العلماء، كما أن أولي الأمر في قوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ [سورة النساء: الآية 59]. على قول ابن عباس وغيره أنهم العلماء، وذكر شيخ الإسلام أن هذه الآية تشمل أولي الأمر أولي السلطان، وأيضًا أولي الأمر تشمل العلماء.

أدلة فضل العلم من السنة المطهرة:

فهذه بعض الآيات الدالة على مكانة ومنزلة العلم، ومنزلة أهل العلم.

أما الأحاديث فكثيرة جدًّا منها:

ما ثبت في الصحيحين، من حديث النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (3). منطوق الحديث أن من أراد الله به خيرًا وَفَّقه لهذا العلم. ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في هذا الدين ومن لم يتعلم فلم يرد الله – عز وجل – به خيرًا. وهذا ما ذهب إليه كثيرٌ من أهل العلم.

وهناك أيضًا ما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كما عند أبي داود وابن ماجه والترمذي بسند صحيح أنه قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» (4). وهذا حديث عظيم يبين مكانة ومنزلة أهل العلم. لاحظ – أخي المسلم – قوله: «إِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ». وفي الحديث الآخر – كما سيأتي – أن الله وملائكته يصلون عليه.

لو قيل لأحدنا: إن من في هذا المسجد يدعون لك. لما وسعته ثيابه من الفرح والسرور، وربما بقي الأيام والليالي وهو يتذكر هذه المنزلة العظيمة، أن أهل المجسد يستغفرون له، أو يدعون الله – عز وجل – له. كيف – يا أخي – هذا العالم يصلي عليه الله – عز وجل – من فوق سبع سماوات، يثني عليه، وتصلي عليه الملائكة، تدعو له، ويصلي عليه سائر الخلق، حتى البهائم، حتى النملة في جحرها، حتى الحوت في قعر البحر، يدعو ويصلي على هذا العالم. أي منزلة أعظم من هذه المنزلة؟ أي شرف أعظم من هذا الشرف؟

ويقول – عليه الصلاة والسلام – كما في الصحيحين: «مَثَل مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ (5) الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّة قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ (6) وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ» (7). إلى آخر الحديث. وهذه الطائفة هم أهل العلم، هم الذين تلقفوا عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أقواله وأفعاله، فحفظوها للناس، فانتفع الخلق جميعًا من هذا العلم بفضل حفظ هؤلاء، ونقل هؤلاء ونشر هؤلاء.

ويقول – عليه الصلاة والسلام -: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» (8). الله أكبر، فضل العالم على العابد – وليس على سائر الناس – العابد الذي لزم المسجد في الصلاة والصيام والقيام والاستغفار والتوبة، كفضل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – على أدنى واحد من أمته. وهل هناك أدنى تقارب بين الفضلين؟ كذلك العالم مع سائر الخلق.

وفي الحديث الآخر: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (9).

أيها الأخوة، لو وجد عندنا أثر من آثار النبي – صلى الله عليه وسلم – لو ثبت عندنا أن هذه صحفة النبي – صلى الله عليه وسلم – التي كان يأكل فيها، أو هذا الحصير الذي كان يجلس عليه، لَتقاتل الناس على هذا الأثر، فكيف لو كان هذا الأثر ملتصقًا بجسمه كشعَره لربما بذل فيه الغالي والنفيس، فما ظنكم بشيء موجود عندنا من أعظم آثار النبي – صلى الله عليه وسلم – ألا وهو شرعه، وحيه عليه الصلاة والسلام بين أيدينا أعظم وأرفع من آثاره المادية، مبذول كلٌّ يستطيع الأخذ به، وهذا هو ميراث النبوة، ليس ميراث النبوة المال والعقار، بل ميراث النبوة هذا العلم وهذا الوحي، وهو مشاع، ليس خاصًّا لفئة بعينها. ميراثه عليه الصلاة والسلام ليس خاصًّا لذريته، أو لبني هاشم، أو لبني عبد المطلب، بل لكل من أراد أن ينال هذا الميراث، ألا وهو العلم.

يقول ابن القيم: “وقوله: «العلماءُ ورثةُ الأنبياءِ»… دليل على أنهم أقرب الناس إلى الأنبياء؛ في الفضل والمكانة والمنزلة؛ لأن أقرب الناس إلى المورث ورثته، ولهذا كانوا أحقَّ بالميراث من غيرهم، كذلك العلماء أحق الناس بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وأقرب الناس بالنبي – صلى الله عليه وسلم – هم أهل العلم”(10).

وفي الحديث الآخر في صحيح مسلم: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةٍ». وذكر: «أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ» (11). فإن العالم آثاره باقية حتى بعد وفاته، فالناس تنقطع أعمالهم، حتى الذين خلفوا ولدا صالحًا، أو خلفوا صدقة جارية، ففي وقت من الأوقات سينقطع غالبًا؛ وذلك إذا جاء الجيل الثالث أو الرابع أو الخامس، فغالبًا سينقطع هذا الباب، إلا العالم، فإن أثره باقٍ ما بقيت السماوات والأرض. ولهذا لاحظوا أن الأئمة والعلماء في القرن الأول – قبل ألف وأربعمائة سنة – ما زالت أثارهم وأقوالهم باقية، يُذكَرون ويُترحَّم عليهم، وقد اهتدى واستقام على أقوالهم مئات، بل آلاف، بل ملايين من البشر، وأجورهم ليست كأجور أولئك. فأي منزلة، وأي مكانة أعظم من هذه المنزلة؟

وفي الحديث الآخر: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ» (12).

وفي حديث آخر: «مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَنَا هَذَا لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا، أَوْ لِيُعَلِّمَهُ، كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ» (13). رواه أحمد بسند صحيح.

وفي حديث آخر رواه الترمذي بسند صحيح، أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا» (14). «نَضَّرُ اللهُ» دعاءٌ من النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – لهذا العالم، لطالب العلم الذي تلقى عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كلامه ووحيه، فوعاه فَقِهه وبَلَّغه إلى الآخرين.

إن نجاة الناس منوط بوجود العلماء، فذهاب العلماء هلاك الناس، فهم صمام الأمان بعد الله – عز وجل – ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه: «إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقَ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (15).

وفي حديث ابن عباس قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تَدْرُونَ مَا ذَهَابُ الْعِلْمِ؟» قَالَ: «هُوَ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الأَرْضِ» (16).

وفي حديث أبي أمامة، أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ». قالوا: كيف يذهب العلم يا نبي الله، وفينا كتاب الله؟ قال: فغضب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ثم قال: «ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ» – لاحظ المثل «أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا؟ إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ» (17). رواه الدارمي بسند صحيح.

لا شك أن القرآن وحده لا يكفي، لا بد من أهل العلم؛ ليبينوا للأمة العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والمنطوق والمفهوم. وإلا إذا أخذ الإنسان النصوص بنفسه بعيدًا عن أهل العلم ضل وأضل، وما ضل أكثر الفرق وأكثر الطوائف إلا لأنهم اعتمدوا على عقولهم، وعلى أنفسهم، وأخذوا شطرًا وجزءًا من هذه النصوص.

فالخوارج أخذوا بنصوص الوعيد، وتركوا نصوص الوعد. والمرجئة أخذوا نصوص الوعد، وتركوا نصوص الوعيد. والمعتزلة النفاة أخذوا النصوص التي فيها إثبات فعل العبد. والجهمية والمعطلة أخذوا النصوص التي فيها تنزيه الرب.

أما أهل العلم، الذين أنار الله – عز وجل – بصائرهم وأبصارهم، فأخذوا كلام الله – عز وجل – متكاملاً، وعرفوا الخاص والعام، والمقيد والمطلق، والناسخ والمنسوخ، وجمعوا بين كلام الله – عز وجل – ولهذا سلموا، وسلم من اقتفى أثرهم.

الآثار الواردة في فضل العلم ومنزلة العلماء:

أختم كلامي بذكر بعض الآثار عن بعض السلف، في فضل العلم ومنزلة العلماء.

فهذا الشافعي – رحمه الله – يقول: “إن لم يكن الفقهاء أولياء لله في الآخرة فما لله ولي”. ويقول عكرمة – رحمه الله -: “إياكم أن تؤذوا أحدًا من العلماء، فإن مَن آذى عالمًا فقد آذى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأنهم حملة كلام الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – الذائدون عن حياضه، المنافحون عن كلامه، رحمهم الله”. ويقول الحسن: “موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء، ما طرد الليلُ النهارَ”. ويقول أيضًا: “الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء”. ويقول سعيد بن جبير: “علامة هلاك الناس إذا هلك علماؤهم”. ويقول سفيان الثوري: “اطلبوا العلم؛ فإنه شرف في الدنيا، شرف في الآخرة”.

أسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يغفر لمن مات من علمائنا، وأن يبارك في عُمر وعمل من كان منهم حيًّا، وأن يوفقه ويسدده لما يحب ويرضى، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

جزى الله صاحب الفضيلة الدكتور حمد بن عبد المحسن التويجري خير الجزاء، على ما تفضل به في هذه الكلمة الطيبة الزاكية عن “فضل العلم وعن منزلة العلماء” ولنتم موضوع هذه الندوة ببيان “حرمة الوقيعة في أهل العلم”. يتفضل بالحديث عن ذلك صاحب الفضيلة الدكتور عبد الحكيم محمد العجلان، فليتفضل جزاه الله خيرًا.

المــزيد