|

مكانة العلماء

مكانة العلماء                                                 د.  صالح بن عبد الله بن حميد                                                 8 رجب 1437 هـ


ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "مكانة العلماء"، والتي تحدَّث فيها عن أهل العلم ومكانتهم وقدرهم، وتعظيمهم في نصوص الكتاب والسنَّة، مُبيِّنًا ما يجبُ على كل مُسلمٍ تجاههم من الاحترام والتوقير والرجوع إلى أقوالهم، مع بيان أنهم بشرٌ يُصيبُون ويُخطِئون وأن من يحكم على صوابِهم وخطأهم هم أمثالُهم ونُظراؤُهم وليس كل أحدٍ، وأوردَ العديدَ من الآثار وأقوال أهل العلم الدالَّة على فضلهم وحُرمة الوقيعة فيهم.

 

الخطبة الأولى

الحمدُ لله، الحمدُ لله ذلَّت لعزَّته الرِّقابُ وخضَعَت، وعنَت لجبروته الوجوهُ وخشَعَت، لا إله إلا هو عمَّت رحمتُه كلَّ شيءٍ ووسِعَت، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه توالَت علينا نعماؤُه وكثُرَت، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تُنجِي قائلَها في يومٍ تذهلُ فيه كلُّ مُرضِعةٍ عما أرضعَت، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه جاهدَ في الله حقَّ جهاده حتى علَت راياتُ الملَّة وارتفَعَت، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى عِترتِه الطيبين الطاهرين إلى النسَب الشريف انتسَبَت، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين صُدورُهم بهذا الدين انشرَحَت، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما توالَت الأيامُ والليالي وتعاقبَت.

أما بعد:

فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -، فرِزقُكم لن يأخُذَه غيرُكم فاطمئنُّوا، وعملُكم لن يقوم به غيرُكم فاشتغلُوا به وجِدُّوا، وربُّكم مُطَّلعٌ عليكم فمنه فاستَحيُوا، والموتُ آتٍ لا ريبَ فيه فله استعِدُّوا، وكونوا - وفَّقكم الله - ممن أبصَرَ ففهِم، وفهِمَ فعلِمَ، وعلِمَ فعمِلَ.

العبادةُ تُزكِّي السرائر، وتحفظُها من العلَل البواطِن والظواهِر، وليس العبادةُ بكثرة الصيام والصلاة، إنما العبادةُ بالاستقامة على أمر الله، والورع عما حرَّم الله، والصبرُ عن محارِم الله أيسرُ من الصبر على عذابِ الله.

ومن اتَّعظَ بخُطوبِ الأيام أغنَتْه عن خُطب الأنام، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن: 16].

معاشر المسلمين:

كمائِنُ القلوب تُظهِرُها المِحَن، والمُؤمنُ أسيرُ الحق: الإخلاصُ مطيَّتُه، والصدقُ محجَّتُه، وعلى هذا الطريق الأقوَم يقِفُ أعلامٌ ورؤُوس يثبُتُون في الشدائِد والمُلِمَّات، ويعتصِمون بالحقِّ عند الأزمَات، ويُبصِرون ويصبِرون ويُبصِّرون عند الفتن والابتِلاءات. إنهم علماءُ الشرع المُطهَّر، رفع الله قدرَهم، وأعلى مقامَهم.

قائِمون بالحقِّ، مُتمسِّكون بالهُدى، ثابِتون على الجادَّة، مقرونةٌ طاعتُهم مع وُلاة الأمور بطاعة الله ورسولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59].

عظَّم الله شأنَهم، واستشهَدَهم على توحيدِه أعظمِ مُستشهَد: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 18].

هم المرجِعُ عند السؤال، وإليهم الردُّ عند الاستِشكال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 9]، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11].

إليهم المفزَعُ في النوازِلِ والفتن والمُدلهِمَّات والمُظلِمات، وهم الملاذُ في الأزمات: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 83].

مجالِسُهم مجالِسُ فضلٍ وخيرٍ، تُفيدُ العلومَ والحِكَم، وتحفظُ من الغفلة، استنبَطوا أصولَ الأحكام، وضبَطُوا قواعدَ الحلال والحرام، حاجةُ الناسِ إليهم أعظمُ من حاجتهم إلى الطعام والشراب.

يقول الإمام أحمد - رحمه الله -: "الناسُ أحوَجُ إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يُحتاجُ إليه مرتين أو ثلاثًا، أما العلمُ فيُحتاجُ إليه في كل وقتٍ".

بحُسن تعليمهم يتخرَّجُ المُتخرِّجون، وبجميل مواعِظِهم يرجِعُ المُقصِّرون. في حكمة مسالِكِهم تتجلَّى صلابةُ الإيمان، وثباتُ الموقف في الخُطوب والنوازِل، هم سُرُجُ العباد، ومنارُ البلاد. هم أولياءُ الرحمن، وغيظُ الشيطان.

يقول الإمام الشافعيُّ - رحمه الله -: "إذا لم يكُن العلماءُ أولياءُ الله، فلا أعرفُ لله وليًّا".

بضاعتُهم باقيةٌ بعد موتهم، وأجرُهم جارٍ لهم بعد رحيلِهم، ولهم أجورُ من تبِعَهم وسارَ على طريقِهم، مجالسُهم تحُفُّها الملائكة، وحلقاتُهم تغشاها الرحمة، ومُجتمعُهم تتنزَّلُ عليهم السَّكينة، ويذكرُهم الرحمنُ فيمن عنده.

من أطاعَهم رشَد، ومن عصاهم غوَى وضلَّ. العلمُ علمُهم، والقولُ قولُهم، والرأيُ رأيُهم. لا يعرفُ الفتنَ إذا أقبلَت، ولا يقِفُ أمامَها إذا تعاقبَت إلا أهلُ العلم الراسِخون الربانيُّون، يُبيِّنون الحقَّ، ويرُدُّون الشُّبُهات. بهم تحيا قلوبُ أهل الحق، وتموتُ قلوبُ أهل الزَّيغ.

تأمَّلوا هذا الترتيبَ والترتُّب في هذه الآيات الكريمات، يقول - عزَّ شأنُه -: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28]، ثم قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة: 8]، وقال قبلَها: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: 7].

هم القومُ لا يشقَى بهم جليسُهم، ولا تغُرُّهم كثرةُ الجُموع والأتباع، ولا يُغرِيهم بليغُ المديح والثناء.

أيها الإخوة في الله:

 

العلمُ ترِكَةُ الأنبياء، ورِثَه الصحابةُ - رضوانُ الله عليهم -، ثم ورِثَه من بعد التابِعون، وهكذا جيلاً بعد جيل، إلى أن يشاءُ الله قبضَه.

ولهذا يقول عبدُ الرحمن بن مهديُّ - رحمه الله -: "كان الرجلُ من أهل العلم إذا لقِيَ من هو فوقَه في العلم فهو يوم غنيمة، سألَه وتعلَّم منه، وإذا لقِيَ من هو دونَه علَّمه وتواضَعَ له، وإذا لقِيَ من هو مثلُه في العلم ذاكرَه ودارسَه".

وإن من الجفاءِ أن يموتَ العالِم ولم يُؤخَذ عنه العلمُ ولم يُورَث.

أيها المسلمون:

إن من علامات توفيقِ الله: حبَّ أهل العلم، وذكرَهم بالجميل، ودفعَ قالَة السوء عنهم، وتوقيرَهم من غير ادِّعاء عصمَتهم، أو عدم الردِّ عليهم عند أخطائِهم. حبٌّ من غير تعصُّبٍ ولا تعسُّف، ولا يصُدَّنَّك حبُّهم أن ترى الحقَّ عند من خالفَهم؛ فحبُّهم من أجل ما خصَّهم به مولاهم من علمٍ وصلاحٍ وتقوى، وبما منحَهم ربُّهم من فضلٍ واستقامةٍ، أما الحقُّ فخُذه أنَّى وجدتَّه.

وفي الخبر الصحيح: «ليس منَّا من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا، ويعرِف لعالِمِنا حقَّه»؛ أخرجه أحمد والطبراني وغيرُهما، وإسنادُه حسن، وصحَّحه الألباني.

ويقول أبو الدرداء - رضي الله عنه -: "من فقه الرجلِ ممشَاه ومخرَجُه ومدخلُه مع أهل العلم".

ويقول ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: "مكثتُ سنتين أريدُ أن أسألَ عُمر عن حديثٍ ما منعَني إلا هيبَتُه".

ويقول طاوسُ بن كيسان - رحمه الله -: "من السُّنَّة: أن يُوقَّر أربعة: العالِم، وذو الشَّيبة، والسُّلطان، والوالِد، هذا من سُنَّة نبيِّكم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -".

أيها المسلمون:

ومن أعظم حقوقِ أهل العلم: حفظُ الألسِنة عن الوقيعَة بهم أو النَّيل منهم بالسيِّئ من القول أو العمل؛ فالنَّيلُ منهم مما هم منه براء أمرٌ عظيم، ونهشُ أعراضِهم بالزُّور والافتِراء مرتَعٌ وخيم.

يقول الحافظُ ابن عساكر - رحمه الله -: "العلَم - وفَّقني الله وإياك لمرضاته، وجعلَني وإياك ممن يتَّقِيه حقَّ تُقاته - أن لحومَ العلماء مسمُومة، وعادةَ الله في هَتكِ من ناوءَهم معلُومة، وقلَّ من اشتغلَ في العلماء بالثَّلبِ إلا عُوقِبَ قبل موتِه بموتِ القلبِ". نسألُ الله السلامة.

وذكرَ الثعلبيُّ عن عليٍّ - رضي الله عنه -: "من استخفَّ بالعلماء ذهبَت آخرتُه".

ويقول الحافظُ ابن حجر - رحمه الله - في حديث: «من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ»، قال: "المُرادُ بوليِّ الله: العالِمُ بالله المُواظِبُ على طاعته"، ثم قال: "لا تحكُم لإنسانٍ آذَى وليًّا ثم لم يُعاجَل بمُصيبةٍ في نفسِه أو مالِه أو ولدِه، لا تحكُم عليه بأنه سلِم من انتِقام الله له؛ فقد تكونُ مُصيبتُه في غير ذلك مما هو أشدُّ عليه، كالمُصيبةِ في الله". - عياذاً بالله -.

عباد الله:

وأغلبُ ما يقودُ إلى الوقيعَة في أهل العلم: الغَيرة، والحسَد، والهوى، والتعصُّب، والتعالُم، وناهِيكم بخُطط الأعداء. بل إنه لا يقعُ في أعراضِ العلماء إلا ضالٌّ أو جاهلٌ أو مُغرِضٌ أو مُتعصِّب.

واعلَموا - حفظَكم الله - أن إضعافَ دور أهل العلم يُؤدِّي إلى عواقِبَ خطيرةٍ في حاضِر الأمة ومُستقبلِها، وبخاصَّةٍ مع هذه التطوُّرات المُعاصِرة في وسائل اتصالاتها وتواصُلها، وما تموجُ به من تياراتٍ مُضلَّة، وعقائِد مُنحرِفة.

وبناءُ المُجتمع يعتمِدُ - بعد الله - على علماء الشرع ومُشاركتهم، والرجوع إليهم، واحترامهم، وتقديرهم، وحفظ مكانتهم. وإضعافُ دورهم إضعافٌ للمُجتمع، إضعافٌ لمُقاومته أمام معاوِل الفساد والإفساد والانحِراف وأوحال الثقافة، مما يُؤدِّي إلى الضياع، وفُقدان الهويَّة، وتصدُّر الجُهَّال.

نعم، يا عباد الله:

 

إنه إذا ما حِيلَ بين العلماء وبين الأمة هلكَت الأمة، وخلا الجوُّ للأعداء والمُتربِّصين. الناسُ من غير العلماء جُهَّالٌ تتخطَّفُهم شياطينُ الإنس والجنِّ، وتعصِفُ بهم الضلالات والأهواء، لا يقِفُ في وجوهِ الزنادِقة والمُنافقين إلا أهلُ العلم الأثبَات. ومن يسعَى في إضعافِ أهل العلم وتقليصِ دورهم فهو ساعٍ في انحِراف الشباب وإيقاعهم في التيارات الفِكريَّة المُتطرِّفة، والواقعُ خيرُ شاهِدٍ.

معاشر الأحبَّة:

إن أهل العلم يتعرَّضُون لحَمَلات تشوِيه وموجات استِهزاء، من الملاحِدة والماجِنين، في مقالاتٍ ورُسوماتٍ، وتغريداتٍ ساخِرة، ومواقِف تمثيليَّةٍ مُهينة.

أيُّ تأثيرٍ سيبقَى للعالِم في نظر الناس؟! وأيُّ تقديرٍ واحترامٍ لعلمِهم وفتاواهم وأحكامهم إذا شغَّبَت عليهم السُّفهاء، وتطاولَ عليهم من لا خلاقَ له؟!

إن هدمَ هيبَة العالِم، وإضعافَ مكانته كسرٌ لبابٍ عظيمٍ يحولُ بين الناسِ وبين الفتنةِ والفساد. إن محاولةَ الوقيعَة بين العلماء والأمة، والفصل بين الأمة وعلمائِها هو من أعظم خُطط الأعداء في الداخل والخارِج.

وبعدُ - عبادَ الله -:

ففي كثيرٍ من بلاد الإسلام ما غابَ أهلُ العلم ولكن غُيِّبُوا، وما قصَّروا ولكن حُجِبُوا، وتصدَّر الجُهَّال بل قد صُدِّروا. وأشدُّ من ذلك: أن يتصدَّر المُجتمعات أصحابُ اللهو والمُجُون وأضرابُهم من أصحابِ الأفكار الصغيرة، والكلمات الضعيفة، واللقَطَات السريعة في أدوات التواصُل الاجتماعيِّ؛ ليكونوا رموزًا، ولتُصنَع منهم قُدوات.

ونلجَأُ إلى الله ونفزَعُ من ضعفِ الهِمَم، وانحِدار الضائِقة، واستِنقاص العُقول.

فأين هؤلاء من مصابيح الدُّجَى، وأعلام الهُدى، وحُجَّة الله على خلقِه، الآمِرين بالمعروف، الناهِين عن المُنكر، الساعِين في مصالِح المُسلمين، المهمُومين بهُموم الأمة، حُرَّاس الدين وأعلام الملَّة، يُصلِحون ما فسَد، ويُقوِّمون ما اعوَجَّ. فما أحسنَ أثرَهم على الناس، وأقبَحَ أثر الناس عليهم.

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 9].

نفعَني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ الله لي ولكم ولسائر المُسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفِروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله المحمُود على كل حالٍ وفي كل حال، حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه يليقُ بما له من العظمة والجلال، وأشكرُه جزيلَ الشُّكر على ما أنعمَ من الإكرامِ والإفضال، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو الكبيرُ المُتعال، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أكرمَه ربُّه بالنبُوَّة والإرسال، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وأصحابِه خيرِ صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد .. معاشر المُسلمين:

العلماءُ ليس فيهم معصُوم، ولا من الخطأ سالِم، ويرُدُّ عليهم أخطاءَهم أمثالُهم ونُظراؤُهم من أهل العلم، وليس كلُّ من عرفَ القراءة والكتابةَ تجرَّد وخطَّأ وصوَّب.

والخلافُ بين أهل العلم سُنَّةٌ من سُنن الله، فلا يجوزُ أن يُتَّخذَ سبيلاً للحطِّ من مكانتهم، أو الانتِقاص من قَدرهم، مع ما يجبُ من التثبُّت في صحَّة ما يُنسَبُ إلى العالِم ومُرادِه ومقصَدِه.

وليُعلَم أن هناك فرقًا كبيرًا بين تخطِئة العالِم والردِّ عليه، وبين تجريحِه والحطِّ من منزلتِه. والإنصافُ عزيز.

ونعوذُ بالله ممن ابتُلِي بتصيُّد العثَرَات، وتتبُّع الزلاَّت. يُدخِلون أهل العلم في مسالِك التصنيف، سِيماهم التغريدُ من أحل التغرير. ومن ابتُلِيَ بتتبُّع الزلاَّت، ودخلَ في التصنيفات قسَا قلبُه، وجانَبَ العدلَ والإنصافَ مسلكُه، وقلَّ ما يُكتَبُ له التوفيق.

فاحذَر - حفِظَك الله - أن تكون ممن يفرحُ أو يتلذَّذُ حين يسمعُ خطأَ عالِمٍ في فُتيا، أو زلَّةً في فهم، أو غلطًا في حُكم، فضلاً عن أن تُبتلَى بنشر ذلك، والتفكُّه به في المجالِس، أو التزيُّن به في المُجتمعات والمجموعات، أو تبُثَّه في التغريدات. نسألُ السلامة، ونعوذُ بالله من الخُذلان.

معاشر المسلمين:

ومع هذا كلِّه فينبغي أن يتواصَى أهلُ العلم بالحرصِ على سلامة العِرض، والبُعد عن مواطِن الرِّيَب والشُّبَه، وسدِّ الذرائِع المُفضِيَة إلى التطاوُل عليهم.

وفي قولِه - صلى الله عليه وسلم -: «على رٍسلِكما؛ إنها صفية» خيرُ أُسوة، وأوضحُ منهَج، وهو في وسط الصحابة الأطهار الأخيار.

فأعظِم بالعالِم وأكرِم حين يكون قُدوةً في علمِه وعملِه وسَمته وزُهده وعفَّته وورعِه، وتحرِّي التثبُّت فيما يصدُرُ عنه منقولٍ أو رأيٍ أو فتوَى أو حُكم، مع الترفُّع عن بعضِ المجالِسِ وما قد يكونُ فيها من استِدراجٍ أو تلبيسٍ أو مُلتبِس. وما خاصَمَ ورِعٌ قطُّ.

ألا فاتَّقُوا الله - رحمكم الله -، واعلَموا أن عزَّ العالِم بالعلم والتقوى، ومعرفة السُّنن والعمل بها، وتعظيمها، وتعليمها، وفقهِ المسائل وشرحها، والعالِمُ يُؤثِّرُ في الناسِ بقَدر صلاحِه وتقواه، وعبادته وطاعته، وإخلاصِه وخشيتِه، يأخذُ نفسَه بالحقِّ، ويقومُ عليها بالصِّدق، ويغذُوها بالورَع.

عباد الله:

ومن أرادَ انشراحَ الصدر، وغُفرانَ الذنبِ، وتفريجَ الكرب، وذهابَ الهمِّ والغمِّ فليُكثِر من الصلاة والسلام على النبي الكريم، والمُصطفى المُجتبَى. فتقرَّبُوا لربِّكم وإلى نبيِّكم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة والسلام عليه، امتِثالاً لأمر الله؛ يُصلِّي الله عليكم وملائكتُه، وتُرفعُ لكم الدرجات، وتُحطُّ عنكم السيئات، وتُكتَب لكم الحسنات، ويُوجَب لكم الدعاء.

الصلاةُ على النبي المُصطفى زكاةٌ لكم وطهارةٌ، وطريقٌ إلى الجنة، ونورٌ على الصراط، وتثبيتٌ عليه، وتنالُوا رحمةَ ربكم، ومحبَّة نبيِّكم، وثناءَ أهل الأرض والسماء، إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانِك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاةَ والملاحدةَ وسائرَ أعداء الملَّة والدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافَك واتَّقاك، واتَّبَع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، واجمَع به كلمةَ المُسلمين على الحقِّ والهُدى، ووفِّقه ونائِبَيْه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المُؤمنين، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ والهُدى والسنَّة يا رب العالمين.

اللهم أصلِح أحوال المُسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المُسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، واجمع على الحقِّ والهُدى والسنَّة كلمتَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشُّرور والفتن ما ظهرَ منها وما بطَن.

اللهم من أرادنا وأرادَ دينَنا وديارَنا وأمَّتنا وأمنَنا وولاةَ أمرنا وعلماءَنا وأهلَ الفضل والصلاح والاحتِساب منَّا ورجال أمننا وقواتنا ووحدتنا واجتماع كلمتنا، اللهم من أرادنا بسُوءٍ اللهم فأشغِله بنفسِه، واجعَل كيدَ في نحرِه، واجعَل تدبيرَه تدميرًا عليه يا قوي يا عزيز.

اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعفين مظلُومين في فلسطين، وفي سُوريا، وفي بُورما، وفي أفريقيا الوسطى، وفي ليبيا، وفي العراق، قد مسَّهم الضُّرُّ، وحلَّ بهم الكربُ، واشتدَّ عليهم الأمر، تعرَّضوا للظلم والطُّغيان، والتشريد والحِصار، سُفِكَت دماؤُهم، وقُتِّل أبرياؤُهم، ورُمِّلَت نساؤُهم، ويُتِّم أطفالُهم، وهُدِّمَت مساكنُهم ومرافقُهم.

اللهم يا ناصِر المُستضعَفين، ويا مُنجِي المؤمنين، انتصِر لهم، وتولَّ أمرَهم، واكشِف كربَهم، وارفع ضُرَّهم، وعجِّل فرَجَهم، وألّّف بين قلوبهم، واجمع كلمتَهم، اللهم مُدَّهم بمددك، وأيِّدهم بجُندك، وانصُرهم بنصرِك.

اللهم إنا نسألُك لهم نصرًا مُؤزَّرًا، وفرَجًا ورحمةً وثباتًا، اللهم سدِّد رأيَهم، وصوِّب رميَهم، وقوِّ عزائِمَهم.

اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين ومن شايعَهم، ومن أعانَهم، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، ومزِّقهم كلَّ مُمزَّق، اللهم واجعَل تدميرَهم في تدبيرهم يا رب العالمين.

اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.

رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].

عباد الله:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].

فاذكُروا الله يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.